شريط الاخبار

قائمة

بنكيران لا ينتهي.. والعلماء لا يتقاعدون



أحمد الريسوني
منذ الإعفاء الملكي للأستاذ عبد الإله بن كيران من التكليف بتشكيل الحكومة الجديدة، تكاثرت التخمينات والتساؤلات: هل انتهى بنكيران؟ هل 
 انتهى عهد بنكيران،هل انتهت مرحلة بنكيران؟

وبعض المحللين الجسورين لم يقفوا عند حد التساؤل والتخمين وطرح الاحتمالات والتمنيات، بل جزموا بأن بنكيران قد انتهى، وبعضهم رأى أنه قد أحيل على التقاعد السياسي، وأنه قد ألقى خطبة الوداع …
لقد اعتاد هؤلاء المحللون والمتكهنون، على أن بعض كبار السياسيين – من مغاربة وعرب وفرنسيين… – حين يُزاحون من المنصب الشريف الرفيع، ويبقَون بدون جاهٍ ولا سلطة ولا هيبة، ينكمشون ويختفون، ويبتعدون عن الساحة السياسية وأضوائها ومتاعبها، وربما يتركون أحزابهم وما عُرف من أنشطتهم، وربما يغادرون أوطانهم أيضا…
فيبدو لي أن هؤلاء السادة المحللين، يقيسون حالة بنكيران على تلك الحالات المعهودة والماثلة في أذهانهم، ثم يستنتجون ويتوقعون… أقول لهؤلاء السادة: لا قياس مع الفارق. وكلكم تعرفون الفارق، بل الفوارق الكثيرة…
عبد الإله بن كيران أدخل إلى الميدان السياسي والحزبي والحكومي، عنصرا جديدا أزعج السياسيين الكلاسيكيين وأحرجهم، وهو عنصر الصدق والصراحة والوضوح. ولقد كان هذا العنصر من أسباب النجاح الشعبي لبنكيران، وكان أيضا من أسباب “فشله” الرسمي.
لقد اعتدنا أن السياسيين من أصحاب المناصب العليا إذا تكلموا، فلا بد لهم أن يغلِّـفوا كلامهم بكثير من الالتواء والنفاق، والتزويق والتزييف، أو أن يقولوا – في أحسن الحالات – كلاما لا معنى له ولا طعم له…
واعتدنا – بالمقابل – أن السياسيين المعارضين والمناهضين، إذا تكلموا، فلا بد لهم من تحلية خُطبهم وبياناتهم وتصريحاتهم بالمبالغة والمزايدة والتهويل وقلب الأمور.
لكن ابن كيران جاءهم وفاجأهم بأسلوب جديد بسيط، يعتمد الصدق والصراحة والوضوح، حتى إنك لا تدري – حين يتكلم – هل هو رئيس الحكومة أو هو أكبر معارض للحكومة؟! فهو يتكلم بصدق وصراحة، ويعمل بصدق ونزاهة. وفي جميع الأحوال لا يدلس ولا يُلَبس على أحد. فلذلك نجح فيما نجح فيه، وفُـشِّـل فيما لم يفشل فيه.
وعبد الإله بن كيران في أصله وحقيقته ليس سياسيا “عتيقا”؛ فهو لم يتخرج من مدرسة الساسة والسياسة، ولم تصنعه الحكومة ولا رئاسة الحكومة، ولم يلده حزبُ العدالة والتنمية، ولا رئاستُه وقيادته له.
ابن كيران هو أولا وأخيرا صاحب دعوة، ومن أبناء الدعوة، ولد فيها، وترعرع في مساجدها ومنابرها، وفي جلساتها ومنصاتها، وتشبع بهمومها وتطلعاتها، وتقلب في جنباتها وجبهاتها، وبعد ذلك ومن خلاله، جاءت السياسة والحزب والحكومة… فابن كيران داعية إسلامي، وداعية إصلاحي.
كذلك كان في البدء، وكذلك سيبقى في الختام. كذلك كان قبل الحزب والحكومة، وكذلك سيبقى ولو لم يبق حزب ولا حكومة. فلذلك لن ينتهي.
من الأفكار الجيدة للملك الراحل الحسن الثاني، يحضرني قولُه ذات يوم: “العلماء لا يتقاعدون”. وللأسف، فهذه القولة الممتازة فسرها المعنيون بها تفسيرا نقابيا ضيقا، فمُددت بها رواتبهم وتعويضاتهم إلى الموت، وإلى ما بعد الموت…
أما معناها الحقيقي النبيل، فهو أن العلماء أصحابُ دعوة وأصحاب رسالة، يتفانون فيها ويبقون عليها مدى حياتهم، ولا يعرفون شيئا اسمه التقاعد، ولا شيئا اسمه التقاعس. وهكذا الدعاة وحـمَـلة الرسالات وأصحاب المبادئ…
وأحسب أن عبد الإلــه بن كيران واحد منهم، بل من أعيانهم، ولذلك فهو لا يتقاعد، ولا ينتهي.

شارك :

التسميات:

loading...
عن الكاتب

الواقع المغربي الرأي الحر والخبر القين

  • لمشاهدة الإبتسامات اضغط على مشاهدة الإبتسامات
  • لإضافة كود معين ضع الكود بين الوسمين [pre]code here[/pre]
  • لإضافة صورة ضع الرابط بين الوسمين [img]IMAGE-URL-HERE[/img]
  • لإضافة فيديو يوتيوب فقط قم بلصق رابط الفيديو مثل http://www.youtube.com/watch?v=0x_gnfpL3RM